الشوكاني
390
فتح القدير
يقال ضحى الرجل يضحى ضحوا : إذا برز للشمس فأصابه حرها ، فذكر سبحانه هاهنا أنه قد كفاه الاشتغال بأمر المعاش وتعب الكد في تحصيله ، ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا هي تحصيل الشبع والري والكسوة والكن ، وما عدا هذه ففضلات يمكن البقاء بدونها ، وهو إعلام من الله سبحانه لآدم أنه إن أطاعه فله في الجنة هذا كله ، وإن ضيع وصيته ولم يحفظ عهده أخرجه من الجنة إلى الدنيا فيحل به التعب والنصب بما يدفع الجوع والعرى والظمأ والضحو ، فالمراد بالشقاء شقاء الدنيا كما قاله كثير من المفسرين لا شقاء الأخرى . قال الفراء : هو أن يأكل من كد يديه ، وقرأ أبو عمرو والكوفيون إلا عاصما " وأنك لتظمأ " بفتح أن ، وقرأ الباقون بكسرها على العطف على إن لك ( فوسوس إليه الشيطان ) قد تقدم تفسيره في الأعراف في قوله - فوسوس لهما الشيطان - أي أنهى إليه وسوسته ، وجملة ( قال يا آدم ) إلى آخره إما بدل من وسوس أو مستأنفة بتقدير سؤال كأنه قيل : فماذا قال له في وسوسته ؟ و ( شجرة الخلد ) هي الشجرة التي من أكل منها لم يمت أصلا ( وملك لا يبلى ) أي لا يزول ولا ينقضي ( فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما ) قد تقدم تفسير هذا وما بعده في الأعراف . قال الفراء : ومعنى طفقا في العربية : أقبلا ، وقيل جعلا يلصقان عليهما من ورق التين ( وعصى آدم ربه فغوى ) أي عصاه بالأكل من الشجرة فغوى فضل عن الصواب أو عن مطلوبه ، وهو الخلود بأكل تلك الشجرة ، وقيل فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا ، وقيل جهل موضع رشده ، وقيل بشم من كثرة الأكل . قال ابن قتيبة : أكل آدم من الشجرة التي نهى عنها باستزلال إبليس وخدائعه إياه ، والقسم له بالله إنه له لمن الناصحين حتى دلاه بغرور ولم يكن ذنبه عن اعتقاد متقدم ونية صحيحة ، فنحن نقول : عصى آدم ربه فغوى انتهى . قال القاضي أبو بكر بن العربي : لا يجوز لأحد أن يخبر اليوم بذلك عن آدم . قلت : لا مانع من هذا بعد أن أخبرنا الله في كتابه بأنه عصاه ، وكما يقال حسنات الأبرار سيئات المقربين ، ومما قلته في هذا المعنى : عصى أبو العالم وهو الذي * من طينة صوره الله وأسجد الأملاك من أجله * وصير الجنة مأواه أغواه إبليس فمن ذا أنا المس * كين إن إبليس أغواه ( ثم اجتباه ربه ) أي اصطفاه وقربه . قال ابن فورك : كانت المعصية من آدم قبل النبوة بدليل ما في هذه الآية ، فإنه ذكر الاجتباء والهداية بعد ذكر المعصية ، وإذا كانت المعصية قبل النبوة فجائز عليهم الذنوب وجها واحدا ( فتاب عليه وهدى ) أي تاب عليه من معصيته ، وهداه إلى الثبات على التوبة . قيل وكانت توبة الله عليه قبل أن يتوب هو وحواء بقولهما - ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين - وقد مر وجه تخصيص آدم بالذكر دون حواء . وقد أخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ( أو يحدث لهم ) أي القرآن ( ذكرا ) قال : جدا وورعا . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله ( ولا تعجل بالقرآن ) يقول : لا تعجل حتى نبينه لك . وأخرج الفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال : لطم رجل امرأته ، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم تطلب قصاصا ، فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم بينهما القصاص ، فأنزل الله ( ولا تعجل بالقرآن ) الآية ، فوقف النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى نزلت - الرجال قوامون على النساء - الآية . وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله ( ولا تعجل ) الآية قال : لا تتله على أحد حتى نتمه لك . وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم